سيد قطب
3736
في ظلال القرآن
لإيقاع الأذى به ، ثم يعصمه اللّه منهم كما وقع ذلك مرارا . . ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين ! وإذا كانت من إخبار اللّه ابتداء ، فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن ، حين سمعوا القرآن . . العجب . . فأخذوا ودهشوا ، وتكأكئوا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعضهم لصق بعض ، كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها ، بعضه لصق بعض ! . . ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية لاتساقه مع العجب والدهشة والارتياع والوهلة البادية في مقالة الجن كلها ! واللّه أعلم . . وعندما تنتهي حكاية مقالة الجن عن هذا القرآن ، وعن هذا الأمر ، الذي فاجأ نفوسهم ، وهز مشاعرهم وأطلعهم على انشغال السماء والأرض والملائكة والكواكب بهذا الأمر ؛ وعلى ما أحدثه من آثار في نسق الكون كله ؛ وعلى الجد الذي يتضمنه ، والنواميس التي تصاحبه . عندما ينتهي هذا كله يتوجه الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في إيقاعات جادة صارمة حاسمة ، بالتبليغ ، والتجرد من هذا الأمر كله بعد التبليغ ، والتجرد كذلك من كل دعوى في الغيب أو في حظوظ الناس ومقادرهم . . وذلك كله في جو عليه مسحة من الحزن والشجا تناسب ما فيه من جد ومن صرامة : « قُلْ : إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً . قُلْ : إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً . قُلْ : إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً . حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً . قُلْ : إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً . عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ، وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » . . قل يا محمد للناس : « إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً » . . وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم : « وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً » . . فيكون له طعمه وله إيقاعه . فهي كلمة الإنس والجن ، يتعارفان عليها . فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين . « قُلْ : إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً » . . يؤمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يتجرد ، ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص اللّه الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحدا . فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير . ويجعل مقابل الضر الرشد ، وهو الهداية ، كما جاء التعبير في مقالة الجن من قبل : « وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً » . . فيتطابق القولان في اتجاههما وفي ألفاظهما تقريبا ، وهو تطابق مقصود في القصة والتعقيب عليها ، كما يكثر هذا في الأسلوب القرآني . . وبهذا وذلك يتجرد الجن - وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر - ويتجرد النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر . ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح . « قُلْ : إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ . . . » . . وهذه هي القولة الرهيبة ، التي تملأ القلب بجدية هذا الأمر . . أمر الرسالة والدعوة . . والرسول - صلى اللّه